سيد قطب

1902

في ظلال القرآن

مجال تفسير النصوص القرآنية مرورا عابرا لمتابعة السياق . وهي تحتاج إلى وقفات أمامها أطول في حدود الإجمال : * نقف أمام الدعوة الواحدة الخالدة على لسان كل رسول وفي كل رسالة . . دعوة توحيد العبادة والعبودية للّه ، المتمثلة فيما يحكيه القرآن الكريم عن كل رسول : « قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ » . . ولقد كنا دائما نفسر « العبادة » للّه وحده بأنها « الدينونة الشاملة » للّه وحده . في كل شأن من شؤون الدنيا والآخرة . ذلك أن هذا هو المدلول الذي تعطيه اللفظة في أصلها اللغوي . . فإن « عبد » معناها : دان وخضع وذلل . وطريق معبد طريق مذلل ممهد . وعبّده جعله عبدا أي خاضعا مذللا . . ولم يكن العربي الذي خوطب بهذا القرآن أول مرة يحصر مدلول هذا اللفظ وهو يؤمر به في مجرد أداء الشعائر التعبدية . بل إنه يوم خوطب به أول مرة في مكة لم تكن قد فرضت بعد شعائر تعبدية ! إنما كان يفهم منه عندما يخاطب به أن المطلوب منه هو الدينونة للّه وحده في أمره كله ؛ وخلع الدينونة لغير اللّه من عنقه في كل أمره . . ولقد فسر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « العبادة » نصا بأنها هي « الاتباع » وليست هي الشعائر التعبدية . وهو يقول لعدي ابن حاتم عن اليهود والنصارى واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا : « بلى . إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال . فاتبعوهم . فذلك عبادتهم إياهم » . . إنما أطلقت لفظة « العبادة » على « الشعائر التعبدية » باعتبارها صورة من صور الدينونة للّه في شأن من الشؤون . . صورة لا تستغرق مدلول « العبادة » بل إنها تجيء بالتبعية لا بالأصالة ! فلما بهت مدلول « الدين » ومدلول « العبادة » في نفوس الناس صاروا يفهمون أن عبادة غير اللّه التي يخرج بها الناس من الإسلام إلى الجاهلية هي فقط تقديم الشعائر التعبدية لغير اللّه ، كتقديمها للأصنام والأوثان مثلا ! وأنه متى تجنب الإنسان هذه الصورة فقد بعد عن الشرك والجاهلية وأصبح « مسلما » لا يجوز تكفيره ! وتمتع بكل ما يتمتع به المسلم في المجتمع المسلم من صيانة دمه وعرضه وماله . . . إلى آخر حقوق المسلم على المسلم ! وهذا وهم باطل ، وانحسار وانكماش ، بل تبديل وتغيير في مدلول لفظ « العبادة » التي يدخل بها المسلم في الإسلام أو يخرج منه - وهذا المدلول هو الدينونة الكاملة للّه في كل شأن ورفض الدينونة لغير اللّه في كل شأن . وهو المدلول الذي تفيده اللفظة في أصل اللغة ؛ والذي نص عليه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - نصا وهو يفسر قول اللّه تعالى : « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ » . . وليس بعد تفسير رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لمصطلح من المصطلحات قول لقائل « 1 » . هذه الحقيقة هي التي قررناها كثيرا في هذه الظلال وفي غيرها في كل ما وفقنا اللّه لكتابته حول هذا الدين وطبيعته ومنهجه الحركي « 2 » . . فالآن نجد في قصة هود كما تعرضها هذه السورة لمحة تحدد موضوع القضية ومحور المعركة التي كانت بين هود وقومه ؛ وبين الإسلام الذي جاء به والجاهلية التي كانوا عليها ؛ وتحدد ما الذي كان يعنيه وهو يقول لهم : « يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ » . . إنه لم يكن يعني : يا قوم لا تتقدموا بالشعائر التعبدية لغير اللّه ! كما يتصور الذين انحسر مدلول « العبادة »

--> ( 1 ) يراجع البحث القيم الذي كتبه المسلم العظيم الأستاذ السيد أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان بعنوان : « المصطلحات الأربعة في القرآن » . . « الإله . الرب . الدين . العبادة » . ( 2 ) كتاب : « معالم في الطريق » وكتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » وكتاب : « هذا الدين » وكتاب : « المستقبل لهذا الدين » وكتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » وكتاب : « العدالة الاجتماعية » وكتاب : « السلام العالمي والإسلام » . نشر « دار الشروق » .